الحكيم الترمذي
107
غور الأمور
قال : ليس هذا على ما ذهب إليه الناس ، إن الهدى هدى الإسلام ، ولكن هذا من هداية الطريق ، لأن القوم خافوا على أنفسهم من الأهواء المضلة التي وصفها النبي صلى اللّه عليه وسلم ( أن بني إسرائيل افترقت اثنتين وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة « 1 » . فنظر أولوا العقول من الناس فقالوا : إن هذه الفرق التي وصفها النبي صلى اللّه عليه وسلم قد ظهرت ، وكل تدعى انها هي الجماعة ، وكل على ما هو عليه فرح مستبشر كما قال اللّه تعالى في كتابه : كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ « 2 » ، قال معجبون ، فكل فرقة قد سّمت صاحبتها باسم من أسماء الهواء « 3 » المضلة المردية المنسوبة إلى النار ، عناه أولو العقول في ذلك ، وخافوا على أنفسهم أنهم في بعض منها ، وانهم لا يعلمون فحاروا إلى اللّه متضرعين خائفين ، فقالوا : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ « 4 » على عبادتك ، اهدنا . يقول : عرفنا يا رب طريقك المرضى ، ومنهاجك الواضح من بين هذه الطرق والسبل ، فإنهم يدعوننا إليها ، ونحن لا نعرف أهي طريقك أم لا . الصراط : يقول الطريق المستقيم الذي ترضاه لنفسك وميزته بحكمتك من بينها ، صراط الذين أنعمت عليهم ، وهم أهل الصلاح والأولياء ، غير المغضوب
--> ( 1 ) ورد في الحديث بروايات عديدة كلها صحيحة ، فقد رواه الإمام أحمد في مسنده عن معاوية بن أبي سفيان ، ورواه أبو داود كذلك بإسناد صحيح . ( 2 ) سورة الروم / الآية 32 . ( 3 ) الهواء : الفارغة . ( 4 ) سورة الفاتحة / الآية 5 .